PDF version

كلمة التكريم الفائزة بجائزة ابن رشد للفكر الحر عام 2006 فاطمة أحمد إبراهيم

بروفيسور د. أولريكه فرايتاغ

 

 

السيدة إبراهيم، السيد بشناق،

سيداتي وسادتي

يشرفني أن أكون معكم اليوم لنحتفل بتقديم جائزة ابن رشد للفكر الحر للسيدة فاطمة أحمد إبراهيم. ويسرني بشكل خاص أن أرحب بصاحبة الجائزة، عضو البرلمان الحالي في السودان هنا في برلين. بتكريمها اليوم تكون مؤسسة ابن رشد قد كرمت بشكل خاص سيدة سياسية فاعلة لم تناضل فحسب لتحقيق المساواة للنساء، وإنما عملت أيضاً من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان ليس فحسب في السودان بل خارجها أيضاً وعلى نطاق واسع. ومن المؤسف أن التطور السياسي في الدول الإسلامية في عصرنا الحديث مرتبط عادة بتضحيات شخصية كبيرة كما في حالة السيدة إبراهيم. ويتضح أهمية دور فاطمة إبراهيم من خلال تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية في البلدان العربية الذي صدر حديثاً والذي يشير إلى النتائج البالغة السلبية بسبب عدم الإنصاف في معاملة النساء.

بدأ التزام السيدة إبراهيم بالشأن العام وهي ما زالت على مقاعد الدراسة. كطالبة في الثانوية أصدرت صحيفة حائط ونشرت مقالاً في صحيفة محلية طالبت فيه من مديرة المدرسة البريطانية الجنسية بإقرار نفس منهج مدارس الأولاد وبذلك الحصول على نفس الفرص للدراسة الجامعية. كان موقف الفيلسوف ابن رشد موقفاً مؤيداً لتساوي التعليم بين النساء والرجال. بالطبع لم يكن أمامه هذه الحالة المحددة التي واجهتها فاطمة إبراهيم: كانت المديرة للمدرسة الوحيدة للتعليم الثانوي للطالبات في السودان قد قامت بإبعاد مادة العلوم الطبيعية من برنامج التعليم واستبدلته بمادة التدبير المنزلي والخياطة. وبهذا فقدت طالباتها فرصة التقدم لامتحانات القبول للجامعة لدراسة الطب وكليات العلوم الطبيعية الأخرى. وبذلك فإن احتجاج الطالبات على تغيير المنهج التعليمي يتناسب مع روح ما نادى به المعلم الأكبر ابن رشد.

رد فعل المديرة كان بطرد الطالبات من المدرسة مبررة ذلك بأن النساء السود لا يمتلكن الذكاء الكافي للدراسة الجامعية، وأن مهمة المدرسة إعدادهن ليصبحنّ مربيات منزل محترفات. ولولا الإضراب المنظم من كل الطالبات وخروج تلك الواقعة إلى العلن لم تكن الطالبات لتتمكن من تحقيق ما كن يرغبن فيه.

لقد أسهبت في الحديث عن هذه الواقعة كونها تلقي الضوء على العديد من المواضيع لها أهمية ليس على مسيرة فاطمة إبراهيم اللاحقة فحسب بل على العلاقة الصعبة ما بين المنظمات النسائية الغربية وغير الغربية. يتضح لنا على سبيل المثال أن موضوع "تحرر النساء المسلمات" الذي يعتبر اليوم من صميم مطالب السياسة الغربية صيغ كمحك اختبار وهمي كوني " لتحضر" المسلمين لم يكن إطلاقاً في مركز الصدارة في عصر الاستعمار. نحن هنا على الأرجح أمام تسويق مثاليات الحياة العائلية، التي تعود إلى المرحلة الفكتورية والتي ترتبط بمعاني عنصرية. من الناحية القانونية لم يكن للنساء شخصية اعتبارية أثناء العهد الاستعماري. في نفس الوقت كان هناك اختلاف كبير حول التعليم ومشاركة المرأة في سوق العمل في بلد أم المستعمر نفسه. وبالتأكيد فإن المديرة البريطانية ومدرستها كان لا بد أن تبدوان من وجهة نظر سوداني محافظ كنموذج تحرري غربي مستورد ومرفوض وهي وجهة نظر توجد بالطبع في دول أخرى كثيرة. ليس من الصدفة أن الرد الفعل العام على الحركة النسائية كان هو إلصاق صفة التغريب والتباين الثقافي في هذه الحالة صفة الخروج عن الدين الإسلامي .

هذا يدل على أن رؤية المنظمات النسائية الغربية من أنه يوجد إخاء عام للمنظمات النسائية في العالم رؤية ساذجة وذات إشكالية. رغم أنها جميعها ترفض النظام البطريركي (الأبوي) ولديها بهذا أساس مشترك، إلا أنها تتحرك في سياقات مختلفة، تعتمد على تجارب مختلفة غالباً ما تكون متناقضة وتخاطب مجموعات مختلفة. هذا الأمر يبدو لي مركزياً من أجل فهم ما تواجه الحركات النسائية العربية والإفريقية من صعوبات خارجية، بل وصعوبات في تعريف ذاتها وموقفها (ولا يقتصر الأمر على هذه الحركات النسائية فقط). أريد هنا الإشارة بوضوح، بأن أهدافنا الغربية وتصوراتنا أيضاً صادرة من سياق محلي، إلا أننا غير واعيين من ذلك لا نشك في مصدرها (المحلي) ونعممها بأنْ ندعي أنها صفات عالمية. هذا لا يعني من عدم وجود أهداف عالمية مشتركة من أجل تحقيق المساواة تستحق العمل المشترك من أجلها - والحركة النسائية السودانية دليل واضح على ذلك.

ولكن دعونا نعود للسيدة إبراهيم: بالتأكيد نشاطها السياسي لم يكن فقط نتيجة للواقعة المذكورة ولكن نتيجة انتمائها إلى عائلة شديدة الوعي بأهمية التعليم. والدها معروف بموقفه الواضح ضد الاستعمار، يتناقش الوالدان بالسياسة، أخوها ناشط سياسي. وأكثر من هذا فإن تجربة شخصية فريدة من نوعها لفتت نظرها على الظلم مما دفعتها إلى السياسة: كانت في بيت جديها امرأة تدعى أم فضل الرحمن اعتبرتها فاطمة لفترة طويلة كواحدة من أقاربها، وعرفت فيما بعد بأنها أمة من جنوب السودان. " اكتشاف هذه الحقيقة هكذا كتبت فاطمة إبراهيم "غرس بداخلي احساسا مؤلما بقسوة تجارة الرقيق، وتجاه الظلم والاضطهاد بشكل عام وبخاصة تجاه المواطنين من الجنوب وجبال النوبة ودارفور"[1]. وفي الحقيقة يتوجب علينا تكريم السيدة إبراهيم ليس فقط بفضل دورها كمدافعة عن حقوق المرأة بل أيضاً لكونها برلمانية كرست نفسها (جهدها؟) منذ بداية الصراعات حول جنوب السودان من أجل مساواة السودانيين.

أرادت السيدة إبراهيم اللحاق بالجامعة لدراسة الآداب بعد إنهائها الدراسة الثانوية، لكن والدها رفض هذا بعد ضغط من أحد الجيران كون الدراسة الجامعية مختلط من الجنسين. مما جعلها تركز اهتمامها على الصحافة. شاركت في عام 1952 بتأسيس الاتحاد العام لنساء السودان، والذي تطور ليكون من أكبر الاتحادات النسائية العربية في ذلك الوقت وتولت رئاسته لأول مرة في عام 1956. من المطالب التي نادى بها الاتحاد كمحور أساسي في عمله أن يعتبر الجنسين متساويين في القيمة ولا يوجهان بعدائية على بعضهما البعض. كما أكد على أهمية محافظة الحركة النسائية على هويتها الثقافية الخاصة بها والابتعاد عن النموذج الغربي. وحسب تعبير السيدة فاطمة أحمد ابراهيم عن الاتحاد النسائي فأهم شئ بالنسبة للاتحاد يتمثل بحصول المرأة على حقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ويتبع هذا إمكانات العمل وتأمين البنى التحتية الضرورية في مجال رعاية الأطفال وكذلك أيضاً حق المرأة في الطلاق، وحضانة الأطفال- ومحاربة تعدد الزوجات، وعلى الأخص حقها بالمشاركة السياسية بالانتخابات لتتمكن من تمثيل مصالحها.

علقت السيدة إبراهيم أهمية كبيرة على استقلالية المنظمة النسائية عن الأحزاب كي لا تؤثر سلباً على قاعدتها الشعبية لنيل حقوق النساء. رغم ذلك انضمت في عام 1954 إلى عضوية الحزب الشيوعي في نفس السنة التي نال السودان فيها على استقلاله. وكان الحزب أول حزب أسس منظمة نسائية في البلاد عام 1946 عنيت بالمساواة بين الجنسين ولم تتخذ موقفاً معادياً ضد الدين كما فعلت الأحزاب الشيوعية الأخرى.

أسست فاطمة إبراهيم في عام 1955 مجلة صوت المرأة من أجل خلق منبر إعلامي لطرح مسائل النساء. فهل كان من الأصل ممكناً أن تصدر النساء صحيفة خاصة بهن؟ لم تكن لتحصل على الترخيص لولا تدخل رئيس الوزراء لصالح إصدار المجلة - بشرط ألا تطرح المواضيع السياسية ضمن موادها!

كان هذا العمل في السياق العالمي مشجعاً: ففي الخمسينيات من القرن الماضي هبت في كثير من الدول العربية رياح التغيير، آخذةً بمواضيع مثل حقوق المرأة والحقوق الاجتماعية بعين الاعتبار لاقت رواجاً بعد نيل الاستقلال. إلى جانب أنهن تلقين الدعم خاصة من جانب الشيوعيين وكذلك من الأحزاب ذات التوجه الاشتراكي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. حاولت السلطات على الدوام وبالذات بعد حصول العديد من الانقلابات في الخميسنيات والستينيات من فرض سيطرتها على المنظمات المستقلة. هذه التطورات في السودان والتي سوف أختصر تطرقي لها بخطوط عريضة بإمكانها من هذه الناحية أن تعتبر صورة عن واقع المنطقة.

في أول الأمر فشلت المعركة السياسية التي خاضتها نساء السودان من أجل حقهن في الانتخابات بسبب مقاومة الإخوان المسلمين. أولئك يتهمون النساء كما أشير سابقاً بالتبعية للغرب ومخالفة السلوك الإسلامية، والآخرون يجاوبون باقتباسات من القرآن والحديث بإمكانها أن تفسر لصالح النساء. هذا النوع من الحجج والبراهين سوف يتطلب استخدامه بشكل متزايد في سنوات لاحقة وفي سياقات أخرى كما تقول فاطمة مرنيسي:

" [...] اليوم أكثر من أي وقت مضى تأتي الحجج التاريخية بشكل رئيسي في السؤال المتعلق بحقوق النساء من الثيوقراطية الاسلامية (حكم الدولة الدينية) [...] يعلم التقدميون من الجنسين في العالم الاسلامي أن السلاح الوحيد للكفاح من أجل حقوق الإنسان بشكل عام و من أجل حقوق النساء بشكل خاص في بلاد لا يوجد بها فصل الدين عن الدولة يتمثل في تعليل الأهداف السياسية وبربطها بالتاريخ الديني."[2]

مما يلفت النظر أن لهذا الاتجاه التحليلي كما يبدو أرضاً خصبة في السودان: حتى حسن الترابي، القيادي البارز في تنظيم الإخوان المسلمين ولاحقاً لفترة من الزمن أهم عقل مفكر للحكم العسكري برئاسة عمر البشير يعتمد منذ عام 1973 في جدله من أجل تحقيق المساواة الكاملة للنساء على الدين الإسلامي. في كل الأحوال يظهر التناقض الحاد في حالته بين هذا الشكل من التنظير وممارسته السياسية الاستبدادية.

عندما ساد الحكم العسكري عام 1958 اضطرت الحركة النسائية أن تزاول عملها بالسر. كذلك توقفت صحيفة (صوت المرأة) عن الصدور لبعض الوقت بسبب نشرها أحدى الرسومات الكاريكاتورية. بعد الانتفاضة الشعبية عام 1964 بدأت مرحلة ليبرالية وفي عام 1965 نالت النساء في السودان حق الترشح والاقتراع في الانتخابات، سبقت السودان في ذلك مصر بعشر سنوات ، وإيران بسنه أما الأردن فقد سبقتها السودان بتسع سنين. انتخبت السيدة إبراهيم كأول برلمانية في السودان عام 1965 وتمكنت من تحقيق نجاح مهم في عام 1968 عندما تمت الموافقة على معظم المطالب الخاصة بحقوق العمل. وبالتالي نالت النساء السودانيات على حق ممارسة العديد من المهن وبالتالي على الأجر المتساوي للعمل المتساوي وعطلة الولادة مدفوعة الأجر لمدة ثلاثة أشهر كما أن عمل الأطفال أصبح ممنوعاً. وكذلك في مجال الأحوال الشخصية حققن مزيداً من النجاحات: رفع سن الزواج، ضرورة موافقة المرأة على عقد الزواج، أصبحت المحكمة هي الجهة الوحيدة المسؤولة بقضايا الطلاق بما فيها قوانين خاصة بحق النفقة وحضانة الأطفال، وتم الحد من مسألة تعدد الزوجات. كانت مساواة المرأة مع الرجل بالقانون ولو لفترة وجيزة من الأمور التقدمية جداً بالسودان مقارنة بالبلدان العربية، والشكر بذلك لمجهودات السيدة فاطمة ابراهيم. إن تقديم جائزة هيئة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان للاتحاد النسائي في السودان في عام 1993 ولو أنها تأخرت إلا أنها تعد تقديراً لهذه الإنجازات.

 

في هذه الفترة، فترة الانفتاح والنجاحات السياسية، تزوجت السيدة إبراهيم من الشفيع أحمد الشيخ القائد النقابي المعروف على الصعيد العالمي وزميلها في الحزب. وتمشياً مع الشعارات النسائية التي تنادي بالشفافية في الحياة الخاصة تم عقد القران في حفل زفاف علني تميز بالبساطة مع التخلي عن المهر. وعن قصد ضربت بهذا الموقف العادات التفاخريه السلعية. كان المهر العالي وما زال إلى اليوم يعتبر من أهم عوائق الزواج. غالباً ما يكون له تبعات سلبية على المجتمعات التي تعتمد الزواج كأساس شرطي للعلاقة الجنسية، بغض النظر عن ارتباطها بالتبعية التي تأتي كنتيجة لهذه العلاقة التبادلية.

جاء انقلاب النيميري في عام 1969 لينهي هذه المرحلة الليبرالية في السودان. وبعد فترة قصيرة من الغزل مع الحزب الشيوعي انقض عليهم وحاول النميري كذلك اخضاع الحركة النسائية لسيطرته عن طريق تأسيسه منظمة نسائية خاضعة له وتحت إشراف السلطة. اتهم الناشطات النسويات المستقلات هو أيضاً بالدعاية للغرب وبترويج أفكار غير اسلامية. والغيت كثير من القوانين سبق أن أصدرت عام 1968.

أثر انقلاب فاشل عام 1971 تم اعتقال وإعدام كثير من أعضاء الحزب الشيوعي والنقابات ومن ضمنهم الشفيع أحمد الشيخ. وضعت فاطمة إبراهيم سنتين ونصف تحت الإقامة الجبرية. بعد الإفراج عنها عادت لتزاول نشاطها تحت الأرض. تفاقم وضع النساء سوءاً عندما حصل التحالف بالسلطة عام 1983 بين النميري والجبهة الإسلامية. ولم يشهد هامش الحركة أي تطور إلا بعد إزاحة النظام عام 1985. عاودت الحركة النسائية عملها رغم ضعفها الشديد وانقسامها بفعل النميري، لبناء ائتلاف نسائي عريض من أجل نيل المساواة وحق المشاركة السياسية والاجتماعية الكاملة.

انتقال السلطة إلى الجبهة القومية الإسلامية بقيادة حسن الترابي وعمر البشير عام 1989 أدى مرة أخرى إلى تراجع المساعي من أجل سودان ديمقراطي. بعد إلحاح من عائلتها ومع تعرضها مجدداً للضعوط اختارت فاطمة إبراهيم السفر إلى المنفى في لندن. وهناك استمرت في السعي كرئيسة للاتحاد النسائي العالمي من أجل التعريف بمشاكل السودان وبشكل خاص بأوضاع حقوق الإنسان.

وتُعتبر عودتها إلى السودان عام 2005 مثالاً على إرادتها الصلبة لمواصلة نشاطها، تمشي إثر سيل صغير من العائدين استغلوا الانفراج السياسي عام 2000 للعودة من منفاهم. وكرست السيدة إبراهيم طاقتها مجدداً كنائبة في البرلمان السوداني من أجل حقوق المرأة والإنسان.

 

أتمنى لك أيتها السيدة الجليلة فاطمة إبراهيم كل التوفيق وفوق كل شيء النجاح، بما تقومين به ويتوقف علية تحقيق ما تحتاجة بلدك. وبشكل خاص أهنئك شخصياً لنيلك جائزة ابن رشد للفكر الحر، تقديراً لأهمية هذا العمل ليس بالنسبة للسودان فحسب بل نموذجياً بالنسبة للعالم العربي.



[1] المصدر من الصفحة 3 النسخة العربية للسيرة الذاتية للسيدة فاطمة ابراهيم.

[2] المرنيسي ، تمرد النساء والذاكرة الإسلامية ص 92